عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
88
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
وكانَ أُويسٌ وغيرُه من الزُّهَّادِ إذا عُرفوا في مكَانٍ ارتحلُوا عنهُ . وكان كثيرٌ منَ السلفِ يَكرهُ أن يُطلَبَ منهُ الدُّعاءُ ، ويقولُ لمن يسألهُ الدُّعاء : أَمِنِّي أنا ؟ ! ومِمَّنْ رُويَ عنهُ ذلك عمرُ بنُ الخطابِ وحذيفةُ بن اليمان رضي الله عنهما ، وكذلك مالكُ بنُ دينارٍ . وكان النخعي يَكرهُ أن يُسألَ الدُّعاء . وكتبَ رجلٌ إِلَى أحمدَ يسألُهُ الدعاءَ فَقَالَ أحمدُ : إذا دعونا نحنُ لهذا ، فمن يدعُو لَنا ؟ ! وَوُصفَ بعضُ الصالحينَ واجتهادَهُ في العبادةِ لبعضِ الملُوكِ فَعزمَ عَلَى زيارتهِ ، فبلغَهُ ذلكَ فجلسَ عَلَى قَارِعة الطريقِ يأكُلُ ، فَوافَاهُ الملكُ وهُو عَلَى تِلكَ الحالةِ ، فَسلَّمَ عليهِ ، فَردَّ عليهِ السلامِ ، وجعل يأكُلُ أكلًا كثيرًا ولا يَلتفتُ إِلَى الملكِ ، فَقَالَ الملكُ : ما في هذا خيرٌ ، ورَجعَ . فَقَالَ الرجلُ : الحمدُ لله الَّذِي رَدّ هذا عَنِّي وهو لائمٌ . وهذا بابٌ واسعٌ جدًّا . وها هنا نُكتةٌ دقيقة ، وهي أن الإنسانَ قد يذُمُّ نفسهُ يين الناسِ يُريدُ بذلك أن يُرِي أَنه مُتواضعٌ عندَ نفسهِ ، فيرتفعُ بذلكَ عندَهُم ويمدحُونَهُ بهِ ، وهذا من دَقائقِ أبوابِ الرِّياءِ وقد نَبَّه عليهِ السلفُ الصالحُ . قال مُطَرَّفُ بنُ عبدِ الله بن الشِّخِّير : كَفى بالنفس إِطراءً أَن تَذُمَّهَا عَلَى الملأ ، كأنك تُريدُ بذمِّها زينتَهَا ، وذلك عند الله سَفَهٌ . * * *